في خضم موجة الاهتمام المتجددة بتاريخ العلوم، يعود الباحثون إلى إعادة اكتشاف الدور الجوهري الذي أدّاه علماء الحضارة الإسلامية في حقبة الذهب العباسي في ترجمة التراث العلمي اليوناني والهندي والفارسي، وليس الاكتفاء بحفظه بل تطويره وإضافة اكتشافات أصيلة بنى عليها الغرب لاحقاً نهضته العلمية التي غيّرت وجه العالم.
وتأتي في مقدمة هذه الإسهامات ترجمات بيت الحكمة في بغداد التي أنجزت خلال القرنين الثامن والتاسع الميلاديين نقل مئات المؤلفات اليونانية في الطب والرياضيات والفلسفة والفلك إلى العربية، وهي مؤلفات كانت قد اندثرت فعلياً في أوروبا التي كانت تعيش عصورها الوسطى المُظلمة. ولولا هذا الجهد الجبّار لضاعت معرفة أرسطو وأرخميدس وإقليدس وجالينوس من التاريخ الإنساني إلى غير رجعة.
ومن أبرز الإسهامات الأصيلة التي تجاوزت مجرد الترجمة: علم الجبر الذي وضع أسسه الخوارزمي بكتابه "المختصر في حساب الجبر والمقابلة" الذي انتقل إلى أوروبا في القرن الثاني عشر ليُصبح أساس الرياضيات الحديثة. وعلم البصريات الذي أحدث فيه ابن الهيثم ثورة حقيقية بكتابه "المناظر" الذي دحض نظرية أرسطو حول طبيعة الضوء ووضع أسس المنهج التجريبي قبل فرانسيس بيكون بخمسة قرون.
وأسهم الزهراوي في تطوير علم الجراحة بكتابه "التصريف" الذي بقي مرجعاً طبياً معتمداً في مدارس الطب الأوروبية حتى القرن السابع عشر. وابتكر ابن سينا في "القانون في الطب" منهجاً سريرياً يسبق ما أقرّته الطب الحديث بقرون. وفي الفلك، أنجز البتاني تصحيحات على حسابات بطليموس لم يستطع أحد تجاوزها إلا مع جاليليو وكوبرنيكوس.
ويأتي هذا الاهتمام المتجدد في سياق حاجة العالم إلى تصويب الفهم التاريخي وإبراز التعددية الحضارية كأساس للعلوم الإنسانية لا حكراً على حضارة بعينها. وقد أفرز الخطاب الاستشراقي والتمركز الأوروبي تاريخياً رواية أحادية للعلم والمعرفة، وبات من الضروري أن تأخذ الأجيال الجديدة صورةً أكثر أمانةً وتكاملاً عن تاريخ البشرية.
وتُدرَّس هذه الإسهامات اليوم في جامعات غربية كبرى كجزء أساسي من تاريخ العلوم، وأُفردت لها مساقات مستقلة في أعرق الجامعات الأمريكية والأوروبية. كما يسعى عدد من الأكاديميين العرب اليوم إلى بناء موسوعات رقمية شاملة توثّق هذا الإرث وتُتيحه للناشئة بلغات متعددة، في خطوة تُعيد ربط الأجيال بينابيع حضارتها.

0 تعليقات